
على حماره كان يقطع الشارع الذي يخترق الحارة متجها نحو مزرعته النائية
كنت وقتها في الثالثة عشر من عمري وأخي الذي يكبرني بسنة ننتظر الصيف لنضيف مغامرة جديدة إلى إجازتنا الطويلة
نستعد قبل العصر نملأ الزمزمية لتسد ظمأ عروقنا بعد عمل العصر
كنا في مزرعة أخيه الصغير نعاونه نجمع ما تناثر من جنى النخل و ما تطاير و ما تساقط ننتعل حشائش ذات أسنة وشوك أطراف نخل يابس و ثمة عقارب تتربص بنا
من نخلة إلى نخلة وأرجلنا تصطبغ بسبخة المزرعة بينما كان أقراننا يلاحقون الكرة في ملاعب الحارة التي كانت تسبب الصداع لنساء الحارة كون أنها تتسبب في صدامات وصراعات تبدأ بين أثنين من الأشقياء و تنتهي بملاسنات بين جارتين سليطتي اللسان لكنهما كانتا تلتقيان في الصباح في مكان تجمع أغنام الحارة تمهيدا لتسليمها لمجموعة من فتية الحارة للقيام برعيها في مراعي الوادي القريب من الحارة
يقال أنهم تقاسموا أرض أبيهم فأخذ كل واحد منهم جزء حتى أختهم غير الشقيقة تحصلت على نصيبها- أتذكر أننا كنا نمر بجوار مزرعتها فنرى بناتها - ولم يكن لها ابناء- يقمن بأعمال الفلاحة من تنظيف النخل وحرث الأرض و حمل المعاول!
وكنا نعجب!
في الحقيقة أنني لم أكلف نفسي التفكير في الجفاء الحاصل وقتها بين الأخ الكبير وبقية الأخوة ولم يكن مهما أن أعرف..فقط كنت أعرف أن من واجب الأخ الكبير أن يحتوي اخوته, يساندهم ,يشعرهم بالأمان وإن بلغوا من العمر ما بلغوا ,يقدم النصح لهم بحكم خبرته في الحياة وتجاربه الكثيرة.
نعم كنا في مزرعة اخيه الصغير ليس لإنه أصغرهم إنما كونه بلا معين سوى أبناءه الذين لم يكن أكبرهم قد بلغ السادسة بعد وكانت علاقته بالعائلة مبنية على حسن جوار وتواصل قديم إضافة إلى صحبة مع أخانا الكبير
استمر التعاون حتى تركوا الأرض لإنها لم تعد صالحة للزراعة لإن الملوحة بلغت مستويات قياسية في تلك المنطقة..
وعندما ارتفع ثمن الأراضي وانتشر المستثمرون والسماسرة وأصبحت الأراضي وأسعارها حديث الناس في مجالس العزاء والمدارس والوزارات والمقاهي حتى تجمعات اصحاب سيارات الأجرة الذين تحولوا إلى سماسرة وتركوا الناس ينتظرون عند استراحات الشوارع وتحت أشعة شمس الصيف الحارقة
عندما حدث كل هذا كثرت العروض وانهالت على الأخوة فمنهم من باع ومنهم من تريث أم الأخ الكبير فعرف أن الأسعار لن تبقى في تصاعد وأن الاسعار مصيرها السقوط فبعد مراجعة عدة عروض وافق على بيع نصيبه بمبلغ اقترب من المليون ريال وكأي مواطن كان يعيش فقيرا محروما ثم أمطرته السماء بالمال بدأت حياته في تحول: رمم بيته وأضاف غرفا لأبناءه وزوّجهم واشترى لهم سيارات جديدة حتى الأطفال منهم قام بفتح حسابات بنكية ووضع في رصيد كل واحد منهم بضعة آلاف..
لكنه أصر على التنقل بحماره والاحتفاظ به مع قطعان الأبل التي اضافها إلى ناقته بعد تلك البيعة.. بعدها أصبح تفكير الأخ الكبير استثماريا فبحث عن وسيلة لمضاعفة أمواله وكونه مزارع بسيط وعامل متقاعد في وزارة البلديات فلم تكن لديه أي فكرة عن أي مشروع قد يدر عليه عائدا شهريا ولم تكن لديه أي توجهات للبدء بأي مشروع ..لكنه ما أن سمع بوجود محفظة استثمارية ومردودها الشهري في تضاعف سارع إلى الإشتراك فيها بغية أن تتوالد الآلاف المؤلفة من ريالاته ووبعد أن قبض في أول شهر خمسمائة ريال ,سارع ابناءه للمشاركة أيضا في هذه المحفظة ,وبلغ ما قدمته عائلة الأخ الكبير ما يقارب المئة والخمسين ألفا حتى ابنه الصغير الذي لم يتجاوز العاشرة ساهم بعشرة آلاف هي نصيبه من صفقة المرزعة!
بعد ثلاثة شهور من الأرباح , توقفت..
هرب رجل الأعمال الهندي صاحب المحفظة وتركهم يقلبون أكفهم تحسرا وتوجهوا إلى مراكز الشرطة والمحاكم .. لا اعلم شيئا عن قانونية تلك المحفظة من عدمها وقد قيل أن القانون لا يحمي المغفلين,,رغم ذلك أعتقد أن الأخ الكبير قد جازف بأمواله ونصيب ابناءه دون تحكيم عقله وهو الأخ الكبير ودون الاستفادة مما قد سمعه من مآسي لحقت بأصحاب الملايين الذين ذهبت اموالهم مع الريح نتيجة اشتراكهم في محافظ حملت اسماء جميلة وبراقة: المحفظة الماسية والبلاتينية وووو
بعد خبر هروب صاحب المحفظة سقط الأخ الكبير من على حماره وأحدث سقوطه رضوض لكن وقعها لم يكن بقوة وق ضياع الآلاف التي ذهبت بلا رجعة!
ربما ظلم الحمار ولم يسجل له شيئا ..ٍربما بلغ الحمار سن التقاعد وعليه أن يبحث عن حمار آخر ومحفظة مالية أخرى..
!!الحمدلله ان المحفظة الحكومية بأييد أبناء الوطن الأمناء
سلام















لعلّنا نرى شيئا من أعياد الطفولة يسري في الكون غداً فتصحو فينا حكايات صباحاتها الباسمة










